أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

310

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

لا يعقل في الكثرة ، أو لم يكن له إلا جمع واحد : الأحسن فيه أن يعامل معاملة الواحدة المؤنثة ، والأموال من هذا القبيل لأنها جمع ما لا يعقل ، ولم تجمع إلا على أفعال ، وإن كانت بلفظ القلة لأنّ المراد بها الكثرة . وقرأ الحسن والنخعي : « اللاتي » مطابقة للفظ الجمع ، وكان القياس ألّا يوصف ب « اللاتي » إلا ما يوصف مفرده ب « التي » ، والأموال لا يوصف مفردها وهو « مال » ب « الَّتِي » . وقال الفراء : « العرب تقول في النساء : « اللاتي » أكثر ممّا تقول « التي » ، وفي الأموال : « التي » أكثر مما تقول « اللاتي » وكلاهما في كليهما جائز . وقرىء : « اللواتي » وهي جمع اللاتي ، فهي جمع الجمع ، أو جمع « التي » نفسها . قوله : قِياماً إن قلنا إنّ « جَعَلَ » بمعنى صيّر ف « قِياماً » مفعول ثان ، والأول محذوف وهو عائد الموصول ، والتقدير : « التي جعلها » أي : صيّرها لكم قياما . وإن قلنا إنّها بمعنى « خلق » ف « قِياماً » حال من ذلك العائد المحذوف ، التقدير : جعلها أي : خلقها وأوجدها في حال كونها قياما . وقرأ نافع وابن عامر : « قيما » وباقي السبعة : « قِياماً » وابن عمر : « قواما » بكسر القاف ، والحسن وعيسى بن عمر : « قواما » بفتحها ، ويروى عن أبي عمرو . « قوما » بزنة عنب . فأما قراءة نافع وابن عامر ففيها ثلاثة أوجه : أحدها : أنّ « قيما » مصدر كالقيام وليس مقصورا منه ، قاله الكسائي والأخفش والفراء ، فهو مصدر بمعنى القيام الذي يراد به الثبات والدوام . وقد ردّ هذا القول بأنه كان ينبغي أن تصحّ الواو لتحصّنها بتوسّطها ، كما صحّت واو « عوض » و « حول » . وأجيب عنه بأنه تبع فعله في الإعلال ، فكما أعلّ فعله أعلّ هو ، ولأنه بمعنى القيام فحمل عليه في الإعلال . وحكى الأخفش : قيما وقوما قال : « والقياس تصحيح الواو ، وإنما اعتلّت على وجه الشذوذ كقولهم : « ثيرة » ، وقول بني ضبة : « طيال » في جمع طويل ، وقول الجميع « جياد » جمع جواد ، وإذا أعلّوا « ديما » لاعتلال « ديمة » فاعتلال المصدر لاعتلال فعله أولى ، ألا ترى إلى صحة الجمع مع اعتلال مفرده في معيشة ومعايش ، ومقامة ومقاوم ، ولم يصححوا مصدرا أعلّوا فعله . الثاني : أنه مقصور من « قيام » ، فحذفوا الألف تخفيفا كما قالوا : خيم في « خيام » و « مخيط » و « مقول » في : « مخياط » و « مقوال » . والثالث : أنه جمع « قيمة » ك « ديم » في جمع ديمة ، والمعنى : أنّ الأموال كالقيم للنفوس لأنّ بقاءها بها . وقد ردّ الفارسي هذا الوجه ، وإن كان هو قول البصريين غير الأخفش بأنه قد قرىء قوله تعالى : دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ « 1 » وقوله : الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ « 2 » ولا يصحّ معنى القيمة فيهما . وقد ردّ عليه الناس بأنه لا يلزم من عدم صحة معناه في الآيتين المذكورتين ألّا يصحّ هنا ، إذ معناه هنا لائق ، وهناك معنى آخر يليق بالآيتين المذكورتين كما سيأتي . وأمّا قراءة باقي السبعة فهو مصدر « قام » والأصل قوام ، فأبدلت الواو ياء للقاعدة المعروفة ، والمعنى : التي جعلها اللّه سبب قيام أبدانكم أي : بقائها . وقال الزمخشري : « أي تقومون بها وتنتعشون » .

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، آية ( 161 ) . ( 2 ) سورة المائدة ، آية ( 97 ) .